كتب: محمد حربي
تقيم اليوم السفارة الصينية في الدوحة، وبعثتها الدبلوماسية برئاسة السفير تساو شياولين- سفير جمهورية الصين الشعبية لدى دول قطر، حفل استقبال بفندق شيراتون الدوحة؛ لاحياء الذكرى الـ 75 لتأسيس جمهورية الصين الشعبية. ومع احتفالات سفارة الصين بهذه المناسبة التاريخية والوطنية للصينيين؛ نتوقف عند العلاقات القطرية- الصينية، وما تتسم به من القوة والمتانة على الدوام، ﻣﻨذ ﺑﺪأت اﻟﻌﻼﻗﺎت اﻟﺪﺑﻠﻮﻣﺎﺳﯿﺔ ﺑﯿﻦ اﻟﺒﻠﺪﯾﻦ عام 1988م وتمر حالياً بأفضل مراحلها على الاطلاق؛ حيث ترسخت كيراً في السنوات الأخيرة، من خلال التوجيهات والتوافقات الاستراتيجية انسجام الرؤى لقيادة البلدين. وتقف دولة قطر بجانب الصيني، ودائماً تؤكد الدوحة على مواقفها الثابتة، والداعمة لمبدأ الصين الواحدة، وضرورة احترام مبادئ القانون الدولي، بما فيها مبدأ سيادة الدول والعلاقات الودية.
وتشهد الفترة الراهنة من عمر العلاقات مرحلة من التنسيق السياسي بين البلدين في عدة مجالات، والتعاون استراتيجي؛ وخصوصاً في مجال الطاقة، وصناعة النفط والغاز. وتعد دولة قطر المصدّر الأول للغاز الطبيعي المسال إلى الصين. حيث وقع البلدان خلال السنوات الماضية على اتفاقيات تاريخية عديدة أرست الأساس المتين لمزيد من التعاون المستقبلي والشراكة في مجالات عديدة.
وقد وقعت مؤخراً، قطر للطاقة، مع مؤسسة الصين الحكومية لبناء السفن عقداً؛ لبناء 18 ناقلة غاز طبيعي مسال متطورة من فئة “كيو سي-ماكس” لتوسيع أسطولها من ناقلات الغاز المسال. حيث سيتم بناء السفن الجديدة، التي يبلغ حجم كل منها 271 ألف متر مكعب، في حوض هودونغ جونغوا لبناء السفن في الصين؛ وتتميز بأحدث الابتكارات التكنولوجية والأداء البيئي. وأنه سيتم تسليم 8 ناقلات من فئة “كيو سي-ماكس” في عامي 2028 و2029، في حين سيتم تسليم الناقلات العشر الأخرى في عامي 2030 و2031.
وقد شهد عام 2023، زخماً في التعاون القطري- الصيني، وكانت الصين أكبر سوق للغاز الطبيعي المسال القطري بما يقارب 17 مليون طن. كما صدّرت قطر كميات كبيرة للصين من النفط الخام (8.6 ملايين طن)، والنافثا (2.3 مليون طن)، وغاز البترول المسال (2.2 مليون طن)، والهيليوم (650 مليون قدم مكعبة). كما قامت دولة قطر بتصدير 1.6 مليون طن من البتروكيماويات للصين بما يشمل الأسمدة والبوليمرات والكيماويات. وكذلك شهد عام 2023 مشاركة شركتي طاقة وطنية صينية في مشاريع توسعة حقل الشمال في قطر، وقد حصلت على حصة تبلغ 1.25% في مشروع حقل الشمال الشرقي وحصة أخرى تبلغ 1.875% في مشروع حقل الشمال الجنوبي، ووقعت على اتفاقيات بيع وشراء لكمية تبلغ 7 ملايين طن سنويا من الغاز الطبيعي المسال لمدة 27 عاما. كما حصلت شركة “سي إن بي سي” (CNPC) على حصة تبلغ 1.25% في مشروع حقل الشمال الشرقي ووقعت على اتفاقية بيع وشراء لما مجموعه 4 ملايين طن سنويا من الغاز الطبيعي المسال لمدة 27 عاما.
وتاريخياً، فإن العلاقات القطرية الصينية، كانت قد مرت بثلاثة مراحل رئيسية، وهي: المرحلة الأولى في الفترة من يوليو 1988 ، وهو تاريخ إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين وحتى عام 1999 وهو تاريخ زيارة حضرة صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني ” حفظه الله ” إلى جمهورية الصين الشعبية . لقد عمل البلدان خلال المرحلة الأول من عمر العلاقات 1988- 1999 على التعرف على امكانيات وفرص التعاون في مختلف المجالات وخصوصاً في قطاعات الطاقة والبتروكيماويات على وجه الخصوص حيث زار البلدين عدد من الوفود المتخصصة في مجال الطاقة والتجارة وغيرها . المرحلة الثانية تبدأ من زيارة حضرة صاحب السمو الأمير الوالد ” حفظه الله ” إلى جمهورية الصين الشعبية والتي كانت في عام 1999 والتي دشن بها رؤيته الآسيوية و تجاه الصين بشكل خاص . لقد وضعت زيارة حضرة صاحب السمو الأمير الوالد ” حفظه الله ” إلى الصين الأسس التي قامت عليها العلاقات فقد وقعت خلال تلك الزيارة إتفاقيات شملت مجالات التعاون الإقتصادي والسياسي والثقافي وغيرها من المجالات وفتحت الطريق أمام تعاون واسع في البلدين في المجالات كافة . أما المرحلة الثالثة وهي الأهم في تاريخ العلاقات بين البلدين فقد بدأت في نوفمبر 2014 مع زيارة حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى “حفظه الله” إلى الصين . لقد نقلت زيارة حضرة صاحب السمو امير البلاد المفدى “حفظه الله” إلى جمهورية الصين الشعبية العلاقات إلى مرحلة جديدة ، وعززت الثقة الاستراتيجية بين البلدين وجذبت إهتماماً محلياً وإقليمياً ودوليا حيث تم خلالها توقيع بيان مشترك أعلن عن تأسيس علاقات شراكة إستراتيجية بين البلدين. حققت زيارة حضرة صاحب السمو أمير البلاد المفدى “حفظه الله” إلى جمهورية الصين الشعبية نجاحاً كبيراً ووحققت كافة أهدافها ونقلت العلاقات إلى مرحلة جديدة، وجذبت إهتماماً محلياً وإقليمياً ودولياً لافت حيث تم خلالها توقيع بيان مشترك أعلن عن تأسيس علاقات شراكة إستراتيجية بن البلدين، ليعلن البلدان بذلك عن رفع علاقاتهما إلى مرحلة جديدة كما وقع خلالها عدد من الإتفاقيات المهمة وهي كالتالى :
1. توقيع مذكرة تفاهم بشأن دفع التعاون القطري الصيني في بناء الحزام الإقتصادي لطريق الحرير وطريق الحرير البحري بين وزارة الخارجية بدولة قطر، ولجنة الدولة للتنمية والإصلاح لجمهورية الصين الشعبية .
2. التوقيع على البرنامج التنفيذي الأول في مجال التعليم والبحث العلمي لإتفاق التعاون التربوي والثقافي بين حكومة دولة قطر وحكومة جمهورية الصين الشعبية .
3. توقيع مذكرة تفاهم بين مصرف قطر المركزي وبنك الشعب الصيني حول تعزيز التعاون في الخدمات المالية بين دولة قطر و جمهورية الصين الشعبية .
4. توقيع إتفاقية بين مصرف قطر المركزي وبنك الشعب الصيني حول تبادل العملة الصينية Swap agreement .
5. مذكرة تفاهم بين مصرف قطر المركزي والمفوضية الخاصة بالرقابة والإشراف على القطاع المصرفي الصيني CBRC .
6. مذكرة تفاهم في مجال الرياضة بين وزارة الشباب والرياضة بدولة قطر ومصلحة الدولة للرياضة بجمهورية الصين الشعبية
ومن ناحية أخرى كان البلدان قد وقعا عدد من الاتفاقيات خلال الفترة من 1999-2013 عدد من الاتفتقيات الهامة منها على سبيل المثال :
1. إتفاقية للتعاون الثقافي والتعليمي (إبريل 1999) .
2. إتفاقية بشأن تجنب الإزدواج الضريبي ومنع التهرب المالي (1999) . يجري حالياً التفاوض لتعديل هذه الااتفاقية .
3. إتفاقية للتعاون التجاري والإقتصادي (1999) .
4. مذكرة تفاهم لتعزيز التشاور بين وزارة الخارجية في البلدين . (1999)
5. إتفاقية بين وكالة الأنباء القطرية ووكالة أنباء الصين الجديدة لتبادل الأخبار والمعلومات في ( أكتوبر 2000) .
6. إتفاقية لفتح قنصلية عامة لدولة قطر في منطقة هونغ كونغ الإدارية الخاصة .
7. إتفاقية لفتح قنصلية عامة لدولة قطر في مدينة قوانغتشو عاصمة مقاطعة قواندونغ ، حيث سيغطي نشاطاتها مقاطعات قواندونغ وقوانغتشي وفوجيان وهينان .
8. إتفاقية للتعاون في شؤون المرأة والأسرة بين إتحاد المرأة لعموم الصين والمجلس الأعلى لشؤون الأسرة .2001
9. إتفاق إطاري بين البلدين للتعاون في قطاع الطاقة (2008م) .
10. توقيع إتفاقيتين مع مؤسسة الصين الوطنية للنفط البحري سينوك ( CNOOC) وشركة بترو تشاينا (CNPC) لتوريد 5 ملايين طن من الغاز الطبيعي للصين بحلول عامي 2011-2012 .
زار أيضاً من الجانب الصيني سعادة وانغ يي وزير الخارجية الصيني دولة قطر خلال الفترة من 11 – 12/ 5/2016 حيث قام بزيارة رسمية وشارك في الدورة السابع للإجتماع الوزاري لمنتدى التعاون العربي – الصيني ، كما زار دولة قطر سعادة السيد أركين أمير البك رئيس اللجنة الدائمة للمجلس الوطني لنواب الشعب الصيني .
إلى جانب هذه الزيارات والتفاقيات الهامة الهامة فقد تم تطور واضح في مجالات جديدة هامة وهي كالتالي:
• التعاون الإقتصادي والمالي
إرتفع حجم التبادل التجاري من 5.8 مليار دولار أمريكي في عام 2011 إلى 10 مليار دولار أمريكي في عام 2014 . وبالرغم من أن حجم التبادل التجاري يتعرض أحياناً لضغوط تباطئ النمو الإقتصادي العالمي وتباطئ النمو في الصين إلا أن مستقبل التبادل التجاري واعد . علماً بأن دولة قطر من أهم الموردين للغاز الطبيعي المسال للصين حيث نزود الصين بحوالي 30-40 % من حاجتها من الغاز الطبيعي المستورد سنويا ونعمل على رفع هذه النسبة في المستقبل .
ويعتبر تدشين دولة قطر لأول مرة مركز مقاصة للعملة الصينية (الرنمينبي) في الشرق الأوسط في ابريل 2015 إنجازاً مهماً على صعيد التعاون الإقتصادي والمالي ، حيث يقدم المركز خدمات التسوية المالية بالعملة الصينية مما يسهم في زيادة الفرص المتاحة لتوسيع علاقات التجارة والإستثمار بين البلدين. وكان سعادة الشيخ عبد الله بن سعود آل ثاني قد وصف إفتتاح هذا المركز ” بأنه يشكل منعطفاً مهماً في العلاقات الإقتصادية والتجارية التي تربط بين البلدين. كما يعتبر أقامة غرفة تجارة وصناعة قطر لمعرض صنع في الصين دليلاً آخراً على حرص الدولة على تطوير التعاون التجاري والاقتصادي مع الصين .
• إتفاقية البنك الآسيوي للإستثمار في البنية التحتية
وقعت دولة قطر في 23/10/2014 على مذكرة تفاهم أولية للإنضمام إلى البنك. إلا أن عام 2015 كان حاسماً وهاماً في هذا الإتجاه اذ وقعنا بشكل نهائي في 29/6/2015 على الإتفاقية الأساسية لهذه المؤسسة المصرفية المهمة واصبحنا أعضاء مؤسسين . لقد قامت الكثير من الدول التي كانت تعارض فكرة هذا البنك بالإنضمام إليه لاحقاً بما فيها دول من أوروبا الغربية
• التعاون بين الأقاليم والمقاطعات المحافظات والبلديات الغنية ودولة قطر
بدأ منذ عامين تنفيذ رؤية السفارة في بناء جسور للتعاون الإقتصادي والإستثماري والتجاري بين دولة قطر والمقاطعات والأقاليم الغنية، حيث كما تعلمون أن الكثير من أقاليم الصين تعتبر اقاليم غنية في حجم إقتصاديات وموارد دول متوسطة ، ويمضي التعاون في هذا المجال بشكل طيب
• بناء الشراكات الإقتصادية والتجارية بين غرفة تجارة وصناعة قطر والغرف الصينية
كانت هذه أيضاً إحدى التطورات المهمة خلال العامين الآخيرين حيث رأينا أنه من المهم بناء الشراكات بين غرفة تجارة وصناعة قطر، ونظيراتها في الصين ، وبالفعل وقعت عدد من الاتفاقيات بين الغرفة في دولة قطر والغرف المشابهة في عدد من المدن والأقاليم الصينية . ونعمل على تنشيط التعاون الإقتصادي والإستثماري بين القطاع الخاص في البلدين.
• السنة الثقافية 2016 وافتتاح معرض اللؤلؤ
كان تنظيم السنة الثقافية قطر – الصين في عام 2016 أهم نشاط ثقافي في تاريخ البلدين ، وكان من أهم نشاطاتها وابرزها هو افتتاح معرض الكنوز الصينية في الدوحة ومعرض اللؤلؤ “جواهر في البحار والأنهار في بكين .
• إفتتاح القنصلية العامة في قوانغتشو
لإتساع هذا البلد ولإمكانيات التعاون الكامنة فيه قدرنا ومنذ وقت مبكر أهمية وجود تمثيل قنصلي في مقاطعة قوانغدونغ، وبلدية شنغهاي. ولقد شهد بحمد الله عام 2015 إفتتاح القنصلية العامة في قوانغتشو .
العلاقات القطرية- الصينية انسجام رؤى استراتيجية.. ومواقف قطر ثابتة لدعم الصين الواحدة
آفاق واعدة للتعاوني الصيني القطري واتفاقيات ترسي لشراكات مستقبلية في مجالات عديدة
المقال السابق