الدوحة اليوم:
صدر عن دار الرافدين للطباعة والنشر والتوزيع ببيروت، ودار أوبيس للنشر بكندا؛ كتاب “نخيل الخليج العربي في دليل لوريمر “؛ لمؤلفه الدكتور علي عفيفي علي غازي. والذي يتناول في 384 صفحة، وفق منهج البحث التاريخي التحليلي المقارن، ما ورد عن النخيل في كتاب دليل الخليج العربي لجون لوريمر، موظف حكومة الهند البريطانية، الذي يُعد من أهم المصادر لدراسة تاريخ الخليج العربي والجزيرة العربية، لأكثر من أربعة قرون تبدأ من بواكير الوجود البريطاني في الخليج العربي مع ميلاد القرن السادس عشر، وحتى بدايات القرن العشرين، حيث أُعد الكتاب. ولا تقتصر أهمية الكتاب على الجوانب الجغرافية فقط، بل إن له أهمية تاريخية وسياسية واقتصادية واجتماعية، وفي القبائل وتاريخها وأنسابها، ويوضح بعض الظواهر التاريخية والجغرافية والاجتماعية.
نُشرت العديد من الكتب التي استخلصت مواد تتعلق بمناطق جغرافية بعينها في الخليج، كقطر، والإمارات، وعربستان، والكويت، والقبائل العربية. ولكن لم تقم دراسة حتى هذه اللحظة، على دليل الخليج تحلل وتستخرج من ثناياه مادة تتعلق بموضوعات تاريخية أو جغرافية أو اجتماعية أو غير ذلك. لهذا يُعد كتاب نخيل الخليج العربي في دليل لوريمر أول كتاب من هذه النوعية التي تهدف لاستقراء دليل الخليج من زاوية جديدة مُغايرة، كما أنه أول كتاب يضم ّدراسة في تمهيده توضح أهمية كتاب دليل الخليج وتُبيّن النقد الموجه له، ولهذا يمثل إضافة متميزة للمكتبة العربية.
الكتاب مقسّم إلى فصول وفق التقسيمات السياسية المعاصرة لمنطقة الخليج العربي، أي وفق دوله المستقلة، والتي لم تكن معروفة وقت كتابة الكتاب الأصل، حيث لم تكن الكيانات السياسية الخليجية القائمة الآن قد تبلورت، كما أن الكتاب الأصل انتهج النهج الأبجدي في ترتيبه للأسماء، ولم يُراع في تقسيمه الجغرافيا أم الاجتماع، فمثلا قد نجد اسم قبيلة يليه اسم مكان، يليه اسم قرية، ثم نهر، أو جبل، وفق الترتيب الهجائي للحروف الأبجدية اللاتينية، والتي لم يُحاول المترجمون إعادة ترتيبه وفق الترتيب الهجائي العربي.
وفق هذا التقسيم جاء الكتاب في تمهيد تناول التعريف بلوريمر مؤلف الكتاب، ثم المصادر التي استقى منها مادته، وترجمات الدليل للغة العربية، والنقد الموجه لهذه الترجمات، ثم قسمي الكتاب: التاريخي والجغرافي، تحليلًا، ونقدًا. ثم جاءت تسعة فصول تناولت مناطق الخليج العربي وفق التقسيم التالي: الإمارات العربية المتحدة، البحرين، قطر، الكويت، سلطنة عمان، المملكة العربية السعودية، العراق، عربستان، الساحل الإيراني.
يتشابه المنهج في الفصول إذ يبدأ بمقدمة تاريخية تتناول دراسة تاريخية للنخيل في كل دولة، وأهميته، وبعض استخداماته، ثم توزيعه الجغرافي، والقبائل التي امتلكت أشجار نخيل، وإنتاج وتجارة التمور، وأحداث تاريخية ارتبطت بالنخيل، وذلك من خلال دليل الخليج، وفق المنهج التاريخي التحليلي المقارن، فيحلل ما ورد في ثنايا الكتاب، ويقارنها بمناطق أخرى وبفترات تاريخية أخرى ما أمكن ذلك.
يقول الأستاذ الدكتور عبد العزيز عبد الغني إبراهيم، أستاذ تاريخ الخليج والجزيرة العربية الحديث والمعاصر، في تقديمه للكتاب “فارق الباحث في كتابه هذا العديد من الباحثين الأخرين الذين نظروا قبله في هذا المؤلف، واستخرجوا منه ما يتعلق بكل منطقة على حده، وكان سعيهم على ذلك النهج الجغرافي مشكورًا، فقد وفروا على الباحثين الكثير من الجهد والوقت. ومع ذلك فإننا نرى أن التناول الموضوعي الذي استنّه الباحث في كتابه هذا أجدى للباحث المتخصص وأنفع، ولكنه قد يبدو، كما يوحي عنوان الكتاب، عبارة عن قائمة إحصائية لكل ما يتصل بهذه الشجرة العربية الأصيلة مما قد يورثه الجفاف لعلميته الجادة التي تخاطب الباحثين في علوم الزراعة والبيئة والتاريخ الاقتصادي بشكل عام دون غيرهم. وتخطى الباحث هذه العقبة بحسّ المؤرخ المتخصّص وعمل على تلطيف هذه المادة العلمية الجافة بأن أدخل على كتابه دراسة تمهيدية شيقة مدخلا لكتابه، كما أعدّ مقدمات لكل فصل على حده تناول فيها هوية النخلة العربية الخالصة ذات الجذور العريقة التي تمددت وانتشرت وأينعت خيرًا في شبه الجزيرة العربية وصولا إلى وادي النيل وتجاوزته فعمرت بها واحات الصحراء المجاورة لتنتهي في المغرب العربي. ولم يفت الباحث أن ينظر في الجماليات التي يعكسها النخيل في الخيال العربي، والإيحاءات الفنية التي أفرزتها هذه الشجرة في التراث العربي، ولم يغب عنه دور النخلة في الأساطير ورمزيتها في بعض الطقوس الدينية التي تعود إلى المسيح عليه السلام.
تعرّض الباحث للأطوار المختلفة في حياة هذه الشجرة التي لكأن ما بينها وبين العربي نسب، ولم يغفل عن عطاء النخلة للإنسان من ثمار تقيم أوده مقيمًا وراحلًا، وظل يحجب عنه هجير الصحراء راحلًا، وسعف يظلل سقوف منازله يقيه الحر مقيمًا، إضافة إلى المنافع الأخرى التي تقدمها النخلة للصناعات المختلفة، وهي رطبة خضراء أو بعد أن تيبس ويجفّ عودها. أما الدراسة التي قدمها الباحث للتعريف بكتاب لوريمر الموسوعي وبكاتبه، ومصادره، والإشارة إلى أهميته بحسبانه الكتاب العمدة في تاريخ الخليج في الفترة التي تمتد حتى بداية القرن العشرين الميلادي، فقد جاءت شاملة تعبر عن رؤية نقدية فاحصة. إن ظهور هذا الكتاب الذي يتفوّق ما ورد في متنه على ما يدل عليه عنوانه يُعدّ إضافة بارزة للمكتبة الخليجية التي استشرفت باحثًا جادًا نتمنى له المزيد من التوفيق والعطاء في مجال دراسات الخليج وشبه الجزيرة العربية”.
ومؤلف الكتاب هو باحث تستشرف مكتبة الدراسات التاريخية الخليجية به باحثًا جادًا، حاصل على الماجستير بتقدير ممتاز عن أطروحته المعنونة “أثر الصراع المصري العثماني في الجزيرة العربية والشام على العراق 1831-1841″، والدكتوراة في تاريخ الخليج والعراق بمرتبة الشرف الأولى في موضوع “رؤية الرحالة لقيم وعادات عشائر العراق 1800-1958”. وله كتابات عديدة منشورة في المجلات والصحف، ويعمل مدير تحرير مجلة رواق التاريخ والتراث، التي تصدر عن مركز حسن بن محمد للدراسات التاريخية بدولة قطر.