الرئيسية » محمد حربي يكتب: الكيان الصهيوني دولة وظيفية

محمد حربي يكتب: الكيان الصهيوني دولة وظيفية

بواسطة محمد حربي

سادَ اعتقاد خاطئ!، إن نزعة الكراهية ضد الصهيونية، بدأت عربياً؛ بينما أصلها أوروبي. كما لم تظهر في عهد القائد الألماني أدولف هتلر – سجل في كتابه ” كفاحي” ما فعله الصهاينة في أوروبا -؛ وإنما تعود جذورها إلى العصور القديمة. حيث تُحمل المسيحية اليهود المسؤولية الإجرامية في ” موت المسيح”، وفقاً لمعتقد ديني، ظل سائداً. ولهذا أقصوهم الأوروبيين من حقوق المواطنة، وأجبروهم على العيش في أحياء معزولة “الجيتوهات”، خلال مرحلة العصور الوسطى، وتمييز ملابسهم بشارة صفراء، أو قبعة خاصة “جودنهاوت”؛ حتى أن الإصلاحي الألماني مارتن لوثر، دعا إلى حرق الكُنس اليهودية. كما لاحقت محاكم التفتيش الأسبانية والبرتغالية، اليهود المتحولين للكاثوليكية، في القرنين الخامس عشر والسادس عشر. وظلوا على هذا الحال من الاضطهاد؛ حتى ابتدع الصحفي الألماني ” فيلهلم مار” مصطلح ” معاداة السامية” في ( عام 1879م.).
وعندما أسقطت بريطانيا الحكم العثماني في بلاد الشام، وما ترتب عليه، من اتفاقية ” سايكس بيكو” بعد الحرب العالمية الأولى؛ والبريطانيون لم ينسوا تهديدات محمد علي باشا والي مصر لمصالح الغرب ما بين ( عام 1830م.- 1840م.)؛ حتى توقيع اتفاقية ” لندن”؛ والتي معها طرح رجل المال اليهودي البريطاني اللورد روتشيلد، على وزير خارجيتهم بالمرستون، فكرة إنشاء وطن قومي لليهود،على الأراضي الفلسطينية؛ ولكنها لم تجد استجابة من السلطان العثماني عبدالحميد الثاني؛ الذي رفضها رغم كل الإغراءات المادية. وقد ظلت الصهيونية صداعاً في رأس المجتمع الأوروبي؛ حتى قيام الحرب العالمية الأولى، وهزيمة الدولة العثمانية. ووجدها بلفور فرصة لتنفيذ وعوده (عام 1917م.)، لإنشاء وطن قومي لليهود،على أرض فلسطين. وبذلك تكون الحكومة البريطانية؛ قد ضربت عصفورين بحجر واحد.
فمن ناحية، يمكن لبريطانيا أن تتخلص من الذنب التاريخي في اضطهاد اليهود، وفي نفس الوقت تقوم بتصدير المشكلة اليهودية للمنطقة العربية، وزراعة الورم السرطاني الصهيوني في أرض فلسطين؛ لاستخدامه كأداة لفرض سياسات أوروبا على العرب، وحارساً على مناطق نفوذ المستعمر البريطاني القديمة، وجدار عازل يفصل المنطقة بعضها عن بعض، ويمنع إقامة أي مشروع وحدة أو تكتل عربي. وهنا تكون المصالح البريطانية الأوروبية؛ قد تلاقت مع الأميركية الغربية، بعد الحرب العالمية الثانية، بشأن إقامة ” الدولة الوظيفية ” في المنطقة العربية؛ وإن اختلفت قلوبهم، ونواياهم. إذ أن الدعم الأوروبي، يهدف للإبقاء على اليهود بعيداً عن الأوروبيين؛ وقد عبر عن ذلك الكاتب الألماني كريستو لازريفيتش، بقوله: ” إنّ معاداة السامية جزء من صلب الديانة المسيحية وتاريخ أوروبا”.
وفيما يبدو فإن رواسب الكراهية للصهيونية، مازالت راسخة في العقل الباطن للأوروبيين؛ وقد ظهر ذلك بوضوح عندما اعترف الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالقدس كعاصمة للكيان الصهيوني في شهر ديسمبر (عام 2017 م.)، ومعها قامت كثيراً من المحلات التجارية الصغيرة في أوروبا، بوضع الأعلام الفلسطينية على واجهتها. حتى وإن لم ينظر إليه من باب دعم الفلسطينيين؛ فهو كان تعبيراً قوياً عن الكراهية الأوروبية للصهيونية؛ لتاريخها الأسود في تأجيج النزاعات، وإشعال فتيل الحروب في كل مكان. ومنذ بدء معركة ” طوفان الأقصى” يوم السابع من أكتوبر (عام2023م.)، مازالت قوات الاحتلال، وحكومة اليمين الإسرائيلي المتطرف، تمارس جرائم الإبادة الجماعية ضد الشعب الفلسطيني؛ والتي راح ضحيتها أكثر من 40 ألف شهيد، و88 ألف جريح، معظمهم من الأطفال، والنساء والشيوخ، بخلاف المفقودين، وتدمير كل مقومات الحياة؛ وبغطاء من الفيتو الأميركي!.
وما من رئيس أميركي؛ إلا ويتعهد بحماية الاحتلال الصهيوني، ووضعه تحت مظلة الفيتو في مجلس الأمن الدولي. حتى بدأ الأمر، وكأنه إذا لم يكن يوجد الكيان الإسرائيلي لاخترعوه، وأوجدوه؛ وذلك لأبعاد دينية وسياسية وثقافية وإستراتيجية. وقد شجع كل هذا الحكومة الصهيونية، واليمين المتطرف على التمادي، والاستمرار في جرائمها، وأخرها ما وقع فجر السبت الماضي، من قصف لمدرسة “التابعين”؛ التي تؤوي نازحين في حي الدرج شرق مدينة غزة؛ وأستشهد فيها أكثر من 100 فلسطيني، غير الجرحى، أمام صمت دولي مخزي، وضمير عالمي متبلد! . وبات ” نتانياهو” يتنقل فوق أشجار المنطقة العربية، والشرق الأوسط، وتجاوز الخطوط الحمراء، وكسر ” قواعد الاشتباك “، وانتهك القانون الدولي، واعتدى – بشكل متكرر- على سيادة دول إقليمية؛ بدون مراعاة لأي حسابات، أو تقدير لردود الأفعال؛ كما حدث في اغتيال المناضل الفلسطيني الشهيد إسماعيل هنية- رئيس المكتب السياسي لحركة المقاومة الإسلامية الفلسطينية ” حماس “، في مدينة “طهران” الإيرانية يوم 31 من شهر يوليو الماضي. والتي جعلت الجميع يحبس أنفاسه تحسباً للرد الإيراني.
وأصبحت كل الأصابع على الزنادِ، تحسباً لرد الفعل الإيراني. والذي قد يُعيد تشكيل المنطقة كلها من جديد؛ وربما ينهار حلم الدولة اليهودية؛ وتتكشف أكاذيب الصهيونية وإدعاءاتها الزائفة. وخاصة أن حركة مثل “ناطوري كارتا” المناهضة للفكر الصهيوني، لا تعترف بالكيان الإسرائيلي على الأراضي الفلسطينية المحتلة، وتعتبر أن قيام دولة لليهود لا يكون بسلب أرض شعب آخر؛ بل حينما يأذن الرب، وربط ذلك بعودة اليهود إلى تطبيق شريعتهم؛ التي عاقبهم الرب على مخالفتها، فشتتهم في الأمصار وبين شعوب الأرض. وبعيداً عن الأسباب الروحية والدينية، والأبعاد اللاهوتية؛ فإن البريطانيين والقوى الإمبريالية الغربية، بما فيها الولايات المتحدة الأميركية، لديها أهداف إستراتيجية أخرى من زراعة الكيان الصهيوني. ولهذا أسرع الكونغرس الأميركي في جلسته بتاريخ 17 ديسمبر (عام 1945 م.) وأعلن عن تبنِّي سياسة الرئيس “هاري ترومان” بتأييد إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين.
وكان الهدف من زراعة الكيان الصهيوني؛ إقامة “دولة عازلة” في فلسطين، تعرقل التواصل بين العرب؛ لأنه لو تحقق هذا التواصل العربي، فسوف يعود المجد القديم للأمة العربية. و كذلك من الأدوار الصهيونية، الفصل بين مصر بعمقها الأفريقي وبلاد الشام بامتدادها الأسيوي. إذ تدرك القوى الأوروبية والغربية، أن اتحادهما سوف يكون بمنزلة الكماشة التي تهيمن على منطقة الشرق الأوسط، وتعرقل مخططات القوى الاستعمارية، ومصالحها في الإقليم بأسره. تلك المصالح التي باتت مهددة بالفعل، بسبب ما فعله” نتانياهو” بالمنطقة؛ حتى وضعها فوق ” فوهة بركان ساخن”، قابلة للانفجار في أي لحظة؛ وربما تتوسع دائرة الصراع، وتتحول إلى حرب إقليمية؛ فيتسع الخرق على الراتق، وتعجز ” الدولة الوظيفية”!.
كاتب وصحفي مصري
moiharby1968@yahoo.com

مقالات ذات صلة

اكتب تعليقك